-
القراءة والقيادة: لماذا لا تكفي كثرة الكتب؟
بدءًا ليس من المبالغة القول: إن الأمة التي تقرأ هي الأقرب إلى امتلاك أدوات القيادة، والأقدر على التأثير في مسار التاريخ، غير أن هذه الحقيقة – على وضوحها – كثيرًا ما يُساء فهمها أو تبسيطها!
كون القراءة التي تصنع أمة قائدة ليست أمرًا يسيرًا، ولا نتيجة تلقائية لتراكم الصفحات، بل مسار طويل تتداخل فيه الإرادة بالصبر، والمنهج بالمجاهدة، والعزيمة بطول النفس، ثم التحول لمنتج حضاري.
إن طبيعة القراءة نفسها تنبئ بأن الحديث عنها حديثٌ عن أمرٍ عظيم، لا يُنال بسهولة، ولا يُحصد بلا كلفة؛ إذ لا يمكن تصور قراءة مثمرة بغير صبر، ولا وعي راسخ بغير مجاهدة، ولا بناء معرفي بغير عزيمة تتجاوز الملل والعوائق.
- ليست كل قراءة طريقًا للقيادة!
ومن الخطأ الشائع افتراض أن كل قراءة تؤدي بالضرورة إلى النهضة أو الريادة؛ فالتجربة البشرية، والمشاهدة الواقعية، والحسّ المباشر، كلها تشهد بخلاف ذلك! بل ربما ذهبت لأن تكون سبباً للفساد وانتكاسة الأمم..
فربما عرفت البشرية أممًا اشتهرت بكثرة القراءة، واتسعت فيها دوائر التعليم والنشر، ومع ذلك لم تحز قيادة العالم، ولم تمتلك زمام المبادرة الحضارية، وهذا يفضي إلى نتيجة لا يجوز تجاهلها: أن الخلل ليس في القراءة ذاتها، وإنما في نوعها، وكيفيتها! وهذا محور حديثنا!
فالقراءة التي تفضي إلى القيادة لا بد أن تقوم على منهج واضح، وتأصيل راسخ، ووعي بالغاية؛ يصنع واقعًا مغايرًا، واقعًا تكون فيه المعرفة عملًا تطبيقًا يرى ويشاهد في الناس وفي مخرجاتهم وفي منتوجاتهم.
- القراءة بوصفها فعلًا فرديًا إلى كونها مشروعًا.
حين تُمارس القراءة بوصفها جهدًا معزولًا عن المنهج، أو هواية وقتية، فإن أثرها يظل محدودًا، مهما بلغ حجمها! أما حين تُفهم القراءة على أنها مشروع تراكمي، فإنها تتحول من فعل فردي إلى مسار بنائي، تُقاس نتائجه بالتحول في الوعي لا بعدد الكتب، فيكون من أصولها التطبيق والتأثير.
ومن هنا تتضح أهمية الجمع بين القراءة وبين غيرها من أدوات البناء المعرفي، فلا تكون القراءة غاية مكتفية بذاتها، بل جزءًا من منظومة متكاملة تشمل التفكير، والتحليل، والقدرة على التعبير والكتابة، ثم وهو المهم “التطبيق“ بما يحقق غاية أعمق من مجرد الاطلاع، ويحولها من هوية معنوية إلى فكرة تطبيقية تسهم في إحداث نقلة نوعية في كل مناحي الحياة فيتحول القارئ إلى صانع وجندي ومكتشف ومبدع الخ…
- الغاية: قارئ واعٍ لا قارئ مكثار!
إذا كان طموح الناس الظاهر هو توسيع دائرة القراءة، فإن الغاية الأعمق يجب أن تتمثل في صناعة قارئ واعٍ، يعيد تشكيل الواقع ويسهم في صناعته لا يتقولب معه.
فليس كل قارئ واعيًا، مهما كثرت قراءاته، وأيضًا الوعي لا ينشأ بمعزلٍ عن القراءة، بذلك كانت دعوتنا: التركيز على الغاية لا على الوسيلة، وعلى بناء الوعي لا مجرد نشر عادة القراءة، وعلى ضبط منهج القراءة لا إفلاته.
- تنوع منضبط لا تشتت معرفي.
القراءة المثمرة لا تنحصر في مجال واحد، لكنها أيضًا لا تُترك بلا ضابط، فالتنوع المعرفي مطلوب، شريطة أن يكون منضبطًا بأصول واضحة تحددها مبادئ وثوابت القارئ، كالالتزام بتعاليم دينه، وما صلُح من تقاليد أمته، مع اعتزازه بهويته فينطلق لتغير العالم وهو كامل العدة والعتاد فيؤثر ولا يتأثر إلا بالقدر الذي يحتاجه للتأثير!
- الوعي والواقع: علاقة لا انفصال
القراءة الواعية لا تنفصل عن الواقع، ولا تتعالى عليه، ولا تتغافل عن أسئلته،
بل إن الواقع –بتحدياته وتحولاته– جزء من مادة القراءة نفسها، تؤثر فيه كما يتأثر بها، وتعيد تشكيل الوعي بقدر ما يعاد فهمه في ضوئها! فالانفصال بين القراءة والواقع يفرغها من وظيفتها الإصلاحية، ويجعلها ترفًا ذهنيًا لا يمتلك قدرة الفعل.
القراءة الواعية: ضرورة حضارية ودينية!
في زمن تتكاثر فيه المعلومات وتتناقض فيه الخطابات، لم تعد القراءة الواعية خيارًا إضافيًا، بل صارت ضرورة حضارية وواجبًا شرعيًا وأخلاقيًا! فالتنقل بين مجالات الفكر، والدين، والأدب، والرواية، لا يمكن أن يكون عامل إثراء حقيقي إلا إذا حُكم بمنهج، وربط بسؤال الوعي، وإلا تحول إلى تشتت معرفي لا يقل خطرًا عن الجهل.
فالأمم لا تُهزم لقلة الموارد فقط، بل تُهزم قبل ذلك حين يختل وعيها، ويضطرب فهمها، وتُقاد بعقول غيرها، أي حين تكون متأثرة لا مأثرة، ومفعولة لا فاعلة!
إن فكرة القراءة الواعية، ليست ترفًا ثقافيًا، ولا مصطلحًا موسميًا، بل هي استجابة لحاجة حقيقية، وضرورة تفرضها طبيعة الصراع على الوعي في هذا العصر، وإن كان من شروطها التحول إلى الفاعلية التطبيقية فإن الاستقلالية لا تقل شأن عنها، بل هي ضرورة حتمية؛ فإن الاستقلال والارتباط بالأصل والاعتزاز بالهوية ركنًا أصيلًا لتحقيق القراءة الواعية!
ختامًا، إن القراءة التي لا تُنتج وعيًا تطبيقًا، يرى أثره في فكر الناس وفي سلوكهم واقتصادهم، هي قراءة ناقصة الأثر، أما القراءة التي تُبنى على المنهج، وتُوجَّه بالغاية، فهي وحدها القادرة على تحويل المعرفة إلى قوة، والفكر إلى فعل، والوعي إلى قيادة.

جميل جدا بارك الله فيكم!
ردحذف