U3F1ZWV6ZTE4OTE5ODMyNDAxMDQ5X0ZyZWUxMTkzNjI2NjI5MjY0OQ==

ذات الخطيئة | ريان القاسمي




 ما قيمة الحياة بالنسبة لك؟ هل لك دور فيها؟ "


- هذه جملة أصبحت تحتل تفكيري حتى عندما لا أسمعها أو أراها.. كل شيء بدأ في صغري وانتهى في ريعان شبابي.
نشأت في عائلة ملتزمة، أود أن ألوم التزامها ولكنني لا أستطيع، فأنا صاحبة الاختيار على كل حال، كانت عائلتي متشددة لدرجة أنهم كانوا يزيدون في معاملتي كصخرة بدل فتاة، ففي بداية أيام مراهقتي لم تحتويني والدتي لتعلمني كيف أتعامل مع كل ما يغزوني من مشاعر وعواطف لا أعلم مصدرها، فقد كانت منشغلة في العمل كمدرسة في الصباح، ومعلمة حلقة تحفيظ تطوعية في المساء، أما والدي فقد كان صاحب مؤسسة خيرية ذاع صيتها في البلاد فانشغل بكل الأمور المكتبية وما إلى ذلك، ما انتهى بي الحال إلى وحدة شديدة في تلك الفترة الخطيرة.

- (سلمى) لا أصدق ذلك، لقد غمز لي فعلًا! لن يصدق أحد الأمر! . 
- (رغد) تقولين ذلك كل يوم، هل يغمز لك كل يوم شخص مختلف؟ . 
- (سلمى) لا يهمني ولكن الشعور بالوقوع في الحب لا مثيل له يا صديقاتي!! .
- (رغد) نعم نعم، نعلم ذلك.. ماذا عنك يا عبير؟ كم مرة وقعتِ في الحب؟ هل وقعتِ في الحب من قبل؟ .
- (عبير) ... أنا حقًا لا أدري ما أقول لكم.. أليست هذه الأمور سيئة ومكروهة؟ ........

- نعم كان ذلك ما قلته في بداية الأمر، ولكن الأمور لا تبقى في بدايتها، فبعد سماعهما لهذا كادتا تسقطان من الضحك على ما قلت، ثم بدأتا تعلمانني تلك الأمور التي تتعلق بالحب، التي لم أسمع عنها من قبل، تحدثتا قليلًا عن أمور الفتيات وأحاسيسهن فاستمعت والحياء يغمرني، ولكن عندما بدأتا تتحدثان عن الشبّان قمت من مقعدي ولم أكد أعد، لعبت الفطرة التي ورثتها والحياء الذي اكتسبته من عائلتي دورًا في تقواي، أو الدرع كما كان يحدثني عنه والدي في صغري... عندما كان موجودًا.

في السابق وقتها كان أهل المنطقة التي أدرس فيها دائمًا ما يشتكون ويرسلون بلاغاتهم لوزارة التربية والتعليم إثر عدم توفر مقاعد دراسية تغطي عددًا كافيا من أبناءهم، ونظرًا لحجم مدرستنا القديمة، والسماح بالاختلاط.. نزل قرار عاجل بتحويل المدرسة الثامنة والستون الاعدادية من نظام (فتيات) إلى (بنين وفتيات) قبل دخول العام الجديد الذي أصبح فيه في الصف الثاني الاعدادي.

بينما كانت تشعر صديقتاي وكأن حلمهما قد تحقق كنت أنا أشعر بالغثيان في كل مرة أسمع فيها (بنين) ، أو أرى فتًى أمامي حينما أسير في الساحة، أو أطلب الإفطار، وفي مرة من المرات سمعت صديقتاي وهما تتهامسان ولكنهما رفضتا الإفصاح لي بما تتهامسان به لأجد فتًى يقعد في مقعدي قبل حضور المعلمة في اليوم التالي..
- (سلمى) علق في بالنا عندما قلتِ لنا أنك لم تقعي في حب أحدٍ من قبل، فقلنا أنك يائسة وحياتك قاسية لذا قمنا بإحضار فتًى لكي تجربي هذا الشعور العظيم! .
- (عبير) ومن سمح لكما بذلك؟! هل طلبت منكما فعل ذلك؟؟ هل فقدتما عقلكما؟؟.
-(رغد) لا بأس لا تضغطي عليها يا سلمى، إنها لا تريد. 
- (سلمى) لقد كنتُ مثيرة للشفقة مثلها من قبل، وهي صديقتي الآن لذا علي مساعدتها في شؤونها، لذا لن أرتاح إلا عندما تقع في الحب!..

- كانت تلك أول محاولة فاشلة لسلمى، كانت رغد أعقل من سلمى قليلًا لذا لم تكن معها في تلك الأمور، كنت قوية ولم أسمح للاختلاط بالتشويش علي أو على مستواي، بالرغم أن سلمى لم تتوقف أبدًا عن المحاولة، فكانت تحاول مرة تلو مرة تلو مرة، حتى لِنت في المحاولة السادسة، وسقطت في المحاولة السابعة.

- (سلمى) ما رأيك في حسام؟ لا تنكري أنه وسيم جدًا لقد تعبت حتى نلت موافقته للقاءك، أتمنى ألا تكوني قد أفسدت اللقاء!.
- (عبير) إنه جميل حقًا لا يستطيع الأعمى نكران وسامته، لا عليك لم أفسد لقاءنا الأول، أستغرب أحيانًا كيف تعرفين كل هؤلاء الفتيان ولم تفكري بالخروج معهم يا سلمى؟.
- (سلمى) الأول؟! هل هذا يعني وجود لقاء ثانٍ؟! وأخيرًا تحققت آمالي أنا فخورة جدًا بك، ولا تشغلي بالك بالأمور الأخرى فهذه أسراري الخاصة.

- وفي اللحظة التي حققت أحلام سلمى فيها، كنت قد شرعت في تحقيق كوابيسي الخاصة فلاحظت بعد أربع لقاءات مع حسام أنه بدأ يتصرف تصرفات غريبة، ونظراته تجاهي، بدأت أشك في عقلانيته الواضحة من اللقاءات السابقة حتى جاء ذلك اليوم الذي طلب مني طلبًا خاصًا أن نتلاقى في الحديقة القريبة من منزلي، ولكن لا أعلم لماذا حدد منتصف الليل لموعد اللقاء، فقبلت على كل حال، كان الأمر يسيرًا إلى أن بدأ في التكلم عني، وصفي والتغزل بي، كنت قريبة من رضوخي ولكن فاجأني اقترابه غير المعهود مني، فلما تيقنت أنه سيقترب أكثر لم أجد إلا أن أصفعه وأهرع لمنزلي، لم أتمكن من النوم ليلتها وذهبت للمدرسة على سهري باحثة عن سلمى، أمسكت بها وذهبت بها بعيدًا حيث لا أحد لأصرخ عليها بـ "ما الذي تفعلينه وما المعنى من تصرفات ذلك الفتى!" ثم قالت... 
-(سلمى) لا بأس إنها مجرد قبلة صغيرة!
- (عبير) قبلة صغيرة؟! 
- (سلمى) نعم هكذا...
- ومن بعد ذلك اليوم لم أعد أنا...

- أنهيت المرحلة الإعدادية، ولكن العالم الذي بدأ فيها مع سلمى حتمًا لم ينتهي، فاستمر الأمر حتى خلال الثانوية، وكان الانخفاض الشديد في علاماتي الدراسية واضحًا لدرجة أن والداي اجتمعا سويًا وللمرة الأولى ليحدثاني عن الأمر وسؤالي عن المشكلة، تكرر الأمر مرارًا ولكنني في كل مرة أعدهما بالتركيز والتحسن في مستواي الدراسي... إلى أن أنهيت المرحلة الثانوية بدرجات لا تؤهلني حتى لإكمال دراستي الجامعية، كان الأمر هينًا بالنسبة لي فسلمى لم تتأهل على كل حال، لذا سأتمكن من لقاءها كل يوم، كان لسلمى العديد من الصديقات لذا تعلمت الكثير من الأمور حتى بت مقتنعة أنني ممن يُطلق عليهم "الشواذ" ولكنني لم أكن أبالي حتى أنني عندما امتلكت أول هاتف لي، علقت في صفحتي الشخصية أنني من هذه الفئة، لقد كان عدد الأشخاص السعداء بالأمر يفوق من أساءهم الأمر بأضعاف لذا شعرت بنشوة تأمرني بالتقدم أكثر وأكثر، كنت أعلم أن اكتشاف والديّ للأمر كان محتومًا لذا وبعد بضع سنين من الإخفاء والتخفي اكتشف والدي أمري وحبسني في المنزل، طالت النزاعات ودام الحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر، ولكنني تمكنت من الهروب والمكوث عند سلمى التي استقبلتني في مسكنها بكل سرور، كنت مغتاظة بشدة من تصرف والدي والفترة التي حبسني فيها لذا تخليت عن كل ما قدمه لي حتى أنني أعلنت إلحادي على صفحتي الشخصية من شدة غيظي، ولكن هذا الخبر أساء أشخاصًا أكثر من الذين أسعدهم ونُشر على مدى أوسع من خبر شذوذي، وبعد معرفة الناس أن ابنة صاحب هذه المؤسسة الخيرية الكبيرة تنتمي لهذه الفئة وإلى فئة خارجة عن الدين والملّة انهمرت الانتقادات والبلاغات حتى أنه تم تقييد مؤسسة والدي ما أغضبه لدرجة نفيي إلى مزرعتنا البعيدة، مزرعة أمضيت فيها أكثر من عامين أسيرة ووحيدة، كانت مدة كافية لجعلي مستعدة للتخلي عن أي شيء مقابل حريتي، وفي يوم من أيام الصيف في الظهيرة زارتني سلمى لتخبرني أن أستعد خلال ثلاثة أيام للرحيل عن هذا المكان، لم أصدق عيني عندما رأيت سلمى فلم أعتقد أن أحدًا غير والدي يعرف أين أنا، ولكن لا يهم فقد وجدت سلمى بالتعاون مع بعض الغرباء وسيلة لإنقاذي من أسري الفعلي والنفسي، فذهبت هاربة تاركة ورائي كل ما أعرفه، إلى مكان لا يوجد فيه ما أعرفه، سرعان ما اكتشفت أنها مؤسسة تدعم من هم في نفس شأني أو ما يشبهه، فأعطوني هاتفًا، وأول شيء قمت بفعله هو نشر خبر هروبي من أسري الذي دام لسنين على صفحتي الشخصية وعندما وصلنا المطار، للوجهة التي لا أعرفها، ثم وردتني رسالة على صفحتي الشخصية من والدي يقول فيها "إن كان في بالك تكرار تلك الأمور فالموت لك أفضل!" شعرت بشعور غريب، لن أموت ولكنني أرى بعض الذكريات تجتمع وتطوف في ذهني بشكل غريب، هل هذا ما يعنيه "موت جزء من نفسي"؟ لم يكن مهمًا فأغلقت هاتفي وصعدت الطائرة.
اهتمت تلك المؤسسة الغريبة بأمور السفر والتعامل مع المفوضية لتنال موافقة السفارة التايلاندية إذ أننا أقمنا في تايلاند بعض الوقت قبل نقلنا منها إلى كندا، فلم أضطر للقيام بأي شيء عدا تقديم بعض المعلومات، وعندما أخبرتهم أن والدي قد هدد بقتلي مالوا للموافقة أكثر من الرفض، وعندما انتهت الأمور الورقية مكثنا في تايلاند بضع ليالٍ قبل الصعود على الطائرة المتوجهة صوب كندا، وعندما وضعت قدمي على تلك الأرض كنت تلك اللاجئة المصرية ذات الخمسة وعشرين عامًا "لقد كان الأمر يستحق، أنا هنا بلا أية حدود ولا صدود، أستطيع أن أكون ما أريد!". 
كانت السنتان الأولى من إقامتي رفقة سلمى وصديقاتها لا مثيل لها، ولكن في السنة الثالثة بدأت تحصل أمور غريبة، بدأت أشعر وكأن شيئًا ما يهمس بداخلي " توقفي! توقفي!" ولكنني كنت أضعف من أن أتوقف، وكنت أجد بعض الكتابات في الشوارع والطرقات وكأن كاتبها يقصدني فيها
" لا يوجد أهم من العائلة"
" السير على طريق الشوك سيؤلمك ولو انتعلت القوة"
"تبدأ أخطاء البشر بالظهور عندما يفلتون ما كانوا يتمسكون به"

فبعد عودتي للشقة تلك الليلة لم يغمض لي جفن، عادت لي ذكريات من حياتي القديمة، لقد تذكرت الدرع الذي علمني إياه أبي وأنه يحمي القلب والجسد، لقد تذكرت بعض الآيات من صوت والدتي، لقد رأيت عبير القديمة، عبير الحقيقية "من أنا؟! أين أنا؟؟! ماذا أفعل هنا؟!! " لقدر أدركت ولو كنت متأخرة أنني لم أخرج عن الدرب وحسب، بل سرت على الجحيم، وتذكرت عندما أرسل لي والدي أن الموت أفضل لي، تيقنت الآن أنه لم يكن مخطئًا، قمت عن سريري ممتلئة بالفزع أسير على طرقات الشوارع لأقرأ للمرة الأخيرة تلك العبارة الأخيرة المكتوبة على حائط منزل قديم "ما قيمة الحياة بالنسبة لك؟ هل لك دور فيها ؟.. الكاتب ( صاحب الرقم 612).
" فدخلت في متاهة نفسي ودوامة إدراك خطيئتي، الشيء الوحيد الذي فكرت فيه هو "هل يحق لي العيش من الأساس؟" فسرت بأقدامي نحو اللامكان، لأجد نفسي أمام فندق كبير، وكأن شيئًا ما جذبني نحوه فدخلت، كنت أملك المال لذا لم يكن حجز الغرفة 612 لشهر كامل بالأمر العسير، وفي اللحظة التي خطوت فيها داخل الفندق قررت أن أدع المصير الذي رأى والدي أنه الأفضل لي يتحقق، ثم بحثت عن الورقة والقلم، لأكتب بنبرة الفقرة الأخيرة من الرواية "لقد نالني التعب، لم يعد للحياة قيمة، انتهى الدور".

#اِنتهاج4
#اصنع_قصة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة