سُنّة التّسخير ووهم الفناء: قراءة هادئة في ضجيج الذكاء الاصطناعي.
مع كل انعطافة تاريخية كبرى وقفزة معرفية مفصلية، تتكرر النغمة ذاتها، وتصدح الأبواق بالمرثية نفسها: «هنا تنتهي البشرية، وعند هذه العتبة سيسدل الستار على الوجود!». مشهد درامي مألوف يتوارثه التاريخ؛ شهدناه يوم ظن الناس أن الورق سيمحو الذاكرة، ويوم ارتعدت الفرائص أمام المطبعة حتى استُصدرت الفتاوى بتحريمها خوفاً من تبديد المعرفة وتشويهها، وتكرر مع أزيز الثورة الصناعية الأولى حين ظن العمال أن الآلات ستبتلع أرزاقهم وتستبيح إنسانيتهم.
واليوم، يُعاد العرض المسرحي بذات السيناريو ولكن بديكور رقمي حديث؛ عنوانه الأبرز: «الذكاء الاصطناعي». تجدهم يوزعون بذور القلق يمنة ويسرة، مستهدفين الأيادي العاملة والموظفين، ليبثوا وهماً مفاده أن عصر الإنسان قد ولى، وأن الخوارزميات قادمة لتجتث دوره من جذوره، إن لم تقضِ على جنسه برمته! بل بلغ الأمر ذروته حين خرج علينا رموز هذا المجال، كاستقالة «جيفري هينتون» من منصبه في «جوجل» مطلقاً النذير للعالم بأننا نحفر قبورنا بأيدينا، ومصوراً الذكاء الاصطناعي كشبح خارج من قمقمه ليهدد الحياة البشرية.
لكن نظرة فاحصة لدفاتر التاريخ تكشف زيف هذه السردية المرعوبة؛ فالحال مع الذكاء الاصطناعي لن يخرج عن ناموس سابقيه من المخترعات التي صُوّرت يوماً كقواصم لظهور البشرية، كالكهرباء، والنفط، وحتى القنبلة النووية التي رُوّج أن امتلاكها يعني الفناء الحتمي للبسيطة. إن ما نشهده هو دورة التكيّف الطبيعية: صدمة أولى، تليها فترة وجيزة من الارتباك، ثم سرعان ما يطوّع الإنسان التقنية لتخدم غاياته، فتتوسع احتياجاته، وتخلق الآلة بدورها وظائف وآفاقاً لم تكن في الحسبان. لم يسبق لاختراع أن ألغى الإنسان؛ بل ظلت الحاجة للبشر قائمة، لأن صانع المعنى لا يمكن أن يُستبدل بأداته.
إن هذا الكائن البشري أودع الله فيه قدرة فريدة على التكيف والتطويع، بحيث لا تكون متغيرات الحياة عبئاً ساحقاً له، بل سلماً لارتقائه. وهنا يستحضرنا المعنى اللطيف الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في فقه الحاجة وتيسيرها؛ إذ بيّن أن الله قدّر حاجات الخلق فجعل أشدها ضرورة أيسرها وجوداً، فالهواء في متناول الجميع، يليه الماء فالغذاء فاللباس، وهكذا تتدرج النعم وتتيسر على قدر فقر الناس إليها. فكيف يُظن بربٍّ هذا تدبيره أن يسلّم مصير خلقه لأداة صَنَعوها بأيديهم ليُحرموا بها أسباب معاشهم؟!
وعلاوة على ذلك، فإن عقيدتنا كمسلمين تمنحنا أفقاً يتجاوز أوهام الفناء المادي المبتور؛ فلدينا يقين راسخ بمسار هذا الكون ونهايته كما أخبرنا بها الصادق المصدوق ﷺ، وهي حقائق غيبية لا تلتقي مع سيناريوهات نهاية العالم التي تلوكها آلات الإعلام الغربي بهوليووديتها المعتادة. هذا الكون له خالقٌ مدبر، حكيمٌ في تقديره، منشئٌ ومعيد، لن يُجري في ملكه إلا ما أراد، ولن ينفلت زمام الخلق من يد مدبره لتعبث به شفرة برمجية؛ فنهاية الوجود البشري مرسومة بوحي إلهي، تبدأ بملاحم كبرى، ثم ظهور الدجال ونزول عيسى عليه السلام وخروج يأجوج ومأجوج، ثم آيات عظام كالطلوع والدخان، حتى تُقبض أرواح المؤمنين بريح طيبة وتقوم الساعة بأمر الله وحده على شرار الخلق، لا بتمرد آلة ولا بفناء مصطنع.
إن الذكاء الاصطناعي، مهما تضخمت قدراته وبهرت آثاره، ليس سوى أداة تندرج تحت ناموس التسخير؛ فالأرض وما عليها سُخرت لخليفة الله فيها ليحقق مراد الاستخلاف والعمارة. لا يدعو هذا إلى التواكل أو الغفلة عن تنظيم هذه التقنيات وضبط أخلاقياتها، بل يدعو إلى نزع رداء الذعر الاستهلاكي، والنظر إلى المستقبل بعين اليقين والتفاؤل، فالأدوات تتبدل وتتعاظم، والإنسان باقٍ في موقعه: مستخلفاً، مؤتمناً، وسيداً لهذه الأدوات لا عبداً لها.

إرسال تعليق